يُعد شرط التحكيم من أهم الشروط القانونية التي ينبغي للشركات الاهتمام بها عند إبرام العقود التجارية، إذ يمنح أطراف العلاقة التعاقدية إمكانية اختيار التحكيم وسيلةً لتسوية المنازعات التي قد تنشأ بينهم بدلاً من اللجوء إلى القضاء العادي.
ولكن هل يكون التحكيم مناسباً في جميع العقود؟ وهل من الأفضل أن تتضمن كل علاقة تجارية شرطاً للتحكيم؟
الحقيقة أن اختيار التحكيم يتوقف على طبيعة العقد، وقيمة التعامل، ومدى تعقيد النزاع المتوقع، ومصلحة الأطراف في اختيار وسيلة متخصصة ومرنة لتسوية المنازعات.
أولاً: ما المقصود بشرط التحكيم؟
شرط التحكيم هو اتفاق يدرجه الأطراف في العقد، يتعهدون بموجبه بإحالة المنازعات التي قد تنشأ عن تنفيذ العقد أو تفسيره إلى التحكيم بدلاً من عرضها على القضاء، وفقاً للقواعد والإجراءات التي يتفقون عليها.
ويختلف شرط التحكيم عن مشارطة التحكيم؛ فالأول يُتفق عليه قبل نشوء النزاع، بينما تُبرم مشارطة التحكيم بعد وقوع النزاع لتحديد المسائل التي يرغب الأطراف في إحالتها إلى التحكيم.
ثانياً: متى يكون شرط التحكيم مناسباً؟
1. في العقود التجارية ذات القيمة المالية المرتفعة
يكون التحكيم خياراً يستحق الدراسة في العقود التي تتضمن استثمارات أو التزامات مالية كبيرة، مثل عقود التوريد طويلة الأجل، وعقود المقاولات، والإنشاءات، والتشغيل والصيانة.
ويرجع ذلك إلى أن النزاع في هذه العقود قد يتطلب فحصاً فنياً ومالياً ومحاسبياً، وقد يكون من المناسب اختيار محكمين لديهم خبرة متخصصة في طبيعة التعامل.
2. في العقود التي تتضمن مسائل فنية معقدة
بعض المنازعات التجارية لا تقتصر على تفسير النصوص القانونية، بل تتطلب فهماً فنياً لطبيعة المشروع أو الخدمة. ومن أمثلتها منازعات عقود الإنشاءات والمقاولات، والخلافات المتعلقة بالمواصفات الفنية وجودة التنفيذ، ومنازعات عقود التشغيل والصيانة، والخلافات المتعلقة بتقييم الأعمال والمستحقات المالية.
في مثل هذه الحالات، قد يكون التحكيم مناسباً إذا أتاح اختيار محكمين لديهم خبرة فنية وقانونية تتناسب مع طبيعة النزاع.
3. في العقود التجارية الدولية
يكون شرط التحكيم مهماً في العقود التي تجمع شركات أو مستثمرين من دول مختلفة، خصوصاً عندما تختلف جنسيات الأطراف والقوانين التي تحكم تعاملاتهم.
فيمكن للأطراف الاتفاق على مقر التحكيم، والقواعد الإجرائية، واللغة المستخدمة، والقانون الواجب التطبيق، ضمن الحدود التي يسمح بها القانون.
كما أن اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها توفر إطاراً دولياً للاعتراف بالأحكام التحكيمية وتنفيذها في الدول الأطراف، ومنها دولة الكويت.
4. عندما تكون السرية التجارية ذات أهمية
قد تتضمن المنازعات التجارية معلومات حساسة تتعلق بالأسعار أو العملاء أو البيانات المالية أو الأسرار الصناعية والتجارية.
وفي هذه الحالات، قد يكون التحكيم مناسباً إذا رغب الأطراف في تنظيم سرية الإجراءات والمستندات، مع مراعاة أن نطاق السرية والتزاماتها يتحدد وفق القانون والقواعد المتفق عليها.
5. عندما يرغب الأطراف في اختيار إجراءات أكثر مرونة
يتيح التحكيم للأطراف، في حدود القانون، الاتفاق على عدد المحكمين وطريقة اختيارهم والقواعد الإجرائية ومكان انعقاد الجلسات ولغة التحكيم.
وهذه المرونة قد تكون مفيدة في المنازعات التجارية المعقدة، حيث يحتاج الأطراف إلى إجراءات تتناسب مع طبيعة النزاع وحجمه.
ثالثاً: متى لا يكون شرط التحكيم هو الخيار الأنسب؟
رغم مزايا التحكيم، فإنه ليس مناسباً لجميع التعاملات التجارية. وقد يكون اللجوء إلى القضاء أكثر ملاءمة في الحالات التالية:
- العقود ذات القيمة المحدودة: إذا كانت قيمة النزاع بسيطة، فقد لا تتناسب تكاليف المحكمين وإدارة التحكيم مع قيمة المطالبة.
- المنازعات التي تتطلب إجراءات قضائية عاجلة: يجب التحقق من مدى ملاءمة التحكيم للحالات التي تحتاج إلى تدخل قضائي سريع، مع مراعاة أن القانون قد يتيح تدابير وقتية وتحفظية.
- العقود التي لا تسمح طبيعتها بالتحكيم: لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالحقوق المالية المترتبة عليها.
- عدم توافر ضمانات كافية لتنفيذ الحكم: ينبغي دراسة الوضع المالي للأطراف، ومكان وجود أصولهم، والدول التي قد يلزم تنفيذ الحكم فيها.
رابعاً: ما أهم العناصر التي يجب أن يتضمنها شرط التحكيم؟
من الأخطاء الشائعة الاكتفاء بعبارة عامة مثل: «تُحال جميع المنازعات إلى التحكيم»، دون تحديد التفاصيل الأساسية التي تضمن وضوح الاتفاق وقابليته للتنفيذ.
ولذلك، ينبغي أن تتم صياغة شرط التحكيم بعناية، مع مراعاة العناصر التالية:
- تحديد المنازعات التي يشملها شرط التحكيم.
- تحديد مقر التحكيم.
- تحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع.
- تحديد قواعد التحكيم أو مركز التحكيم المختار.
- تحديد عدد المحكمين وطريقة تعيينهم.
- تحديد لغة التحكيم.
- تنظيم توزيع تكاليف التحكيم وأتعاب المحكمين.
- مراعاة الأحكام المتعلقة بالتدابير الوقتية والتحفظية.
كما ينبغي التأكد من أن الشخص الذي يوقع العقد يملك الصلاحية القانونية اللازمة لإبرام اتفاق التحكيم نيابة عن الشركة.
خامساً: قانون التحكيم الجديد في الكويت وأثره على العقود التجارية
شهدت دولة الكويت تطوراً تشريعياً مهماً بصدور المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2026 بإصدار قانون التحكيم، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
ويضع القانون تنظيماً مستقلاً للتحكيم، ويتناول اتفاق التحكيم وشروط صحته، وإجراءات تشكيل هيئة التحكيم، واختصاصها، وإصدار الأحكام التحكيمية وتنفيذها.
ومن أبرز المسائل التي نظمها القانون:
- اشتراط الكتابة لصحة اتفاق التحكيم.
- الاعتراف بصور متعددة للاتفاق المكتوب، بما فيها المراسلات الإلكترونية في الحالات التي حددها القانون.
- استقلال اتفاق التحكيم عن شروط العقد الأخرى.
- تنظيم التحكيم المؤسسي والاتفاق على قواعد مراكز التحكيم.
- تنظيم إصدار الأحكام التحكيمية وإجراءات تنفيذها والطعن عليها.
وقد حدد المرسوم بقانون بدء العمل بأحكامه بعد شهر من نشره في الجريدة الرسمية، أي في 18 نوفمبر 2026، مع مراعاة حكمه الانتقالي بشأن التحكيم القائم وقت العمل به.
ولذلك، ينبغي عند صياغة العقود أو مراجعة شروط التحكيم مراعاة تاريخ الاتفاق، وتاريخ بدء إجراءات التحكيم، والأحكام الانتقالية للقانون الجديد.
سادساً: هل يمكن أن يؤدي شرط التحكيم إلى استبعاد اختصاص المحاكم؟
الأصل أن الاتفاق الصحيح على التحكيم يرتب الآثار التي حددها القانون، وقد يؤدي إلى عدم اختصاص المحكمة بنظر النزاع المشمول به إذا تمسك الطرف المعني بالاتفاق وفق الشروط والإجراءات القانونية.
ومع ذلك، لا يعني الاتفاق على التحكيم انعدام دور القضاء بصورة مطلقة؛ إذ قد يكون للمحاكم دور في بعض المسائل، مثل المساعدة القضائية في إجراءات التحكيم، والتدابير التحفظية، والرقابة على الحكم التحكيمي وتنفيذه، وفقاً للقانون.
الخلاصة: لا تضع شرط التحكيم في العقد قبل دراسة طبيعة التعامل
إن شرط التحكيم ليس مجرد بند إضافي في العقد التجاري، بل هو اختيار قانوني واستراتيجي قد يؤثر بصورة مباشرة في طريقة تسوية النزاعات وتكاليفها ومدتها وإجراءاتها.
لذلك، ينبغي للشركات والمستثمرين دراسة طبيعة العقد وقيمته والمخاطر المحتملة قبل إدراج شرط التحكيم، والتأكد من صياغته بصورة واضحة ومتكاملة تتفق مع التشريع الكويتي.
دار المشورة القانونية – خبرة في العقود التجارية والتحكيم
تقدم دار المشورة القانونية خدمات صياغة ومراجعة شروط التحكيم في العقود التجارية، وتقديم الاستشارات القانونية المتعلقة بالمنازعات التجارية والاستثمارية، وتمثيل الشركات والأطراف في إجراءات التحكيم والمنازعات المرتبطة به.
إن صياغة شرط التحكيم بصورة صحيحة قبل توقيع العقد قد تجنب شركتك نزاعات إجرائية وتكاليف كان من الممكن تفاديها.

Leave a Reply